Aller au contenu principal

TEXTES EN ARABE

الفنون التشكيلية في رحاب التكنولوجيا

من المفترض أن يتساءل الفنان باستمرار عن ماهية الفن و عن أشكاله و أنماطه المستحدثة تبعا لما يعايشه من تطور تكنولوجي يهيمن بالضرورة على المشهد الحياتي البسيط كما يملي على عقولنا أساليب فكرية و ردود أفعال واعية وغير واعية. لقد أصبحت كل أوجه العلوم بما فيها المقاربات الإنسانية في خدمة المنهج التقني المعتمد على النفعية و المرد ودية المادية لكل عمل أو جهد بشري.

و تزداد حيرة المبدع إزاء ما نشهده اليوم من تهاوي القيم الجمالية المتعارف أمام سيطرة ما يعبر عنه بنظم العولمة و ما يتبعها من مفاهيم و مصطلحات حضارية و اقتصادية و سياسية وغيرها، وقد تنتابه درجة من الإحباط يكون مردها إحساسه بأنه غير فاعل في محيطه المباشر نظرا لتقلص إمكانية التواصل مع المتلقي.

إن الفنان مهووس بطبعه بحقيقة اللحظة العصية حين يروم تثبيت بصمات أحاسيسه على الحامل مهما اختلف نوعه. وإن تبدو هذه البصمات ذاتية فهي تجر في مكامنها إرثا بصريا و رمزيا يتدفق كلما انغمست ذات الفنان في طيات اللاوعي الذاتي المتصل حتما باللاوعي الجماعي. و على هذا الأساس فان المبدع في حاجة مؤكدة إلى اقتسام ما أفضت إليه  » اللعبة » التشكيلية مع الذوات المتلقية لعله يتكشّف عبر تلقيها عن اشراقات كانت خفية ساعة المخاض.

لذلك، فان عديد الأسئلة باتت مطروحة بصفة حادة على المبدع و من بينها:

– هل بإمكان الفن أن يبقى بمنأى عما تشهده المجتمعات العصرية من ثورة معلوماتية و من إيقاعات متسارعة نتيجة الوسائل الاتصالية الحديثة

– كيف السبيل إلى تطويع الوسائط التقنية إلى إمكانات تعبيرية تكون مقتضياتها الرؤية الذاتية و البصمة المتفردة؟

– هل يستعمل الفنان هذه الوسائل لغاية إثراء إبداعه أو توجيه ملامحه إن لم نقل إعادة صياغة مفاهيمه الأساسية أم يستغلها لغاية التواصل مع الأخر دون المساس بمضمون ما يبدعه سواء ارتكز العمل الفني كليا أو جزئيا على الأدوات التقنية ؟ نعيش اليوم عصر التعقيد الناتج عن تكنولوجيا المعلومات التي أفرزت مجتمعات غير المجتمعات الناتجة عن العصر الصناعي أو عصر اليقين العلمي و هذا الوضع غير المسبوق يؤثر أيّما تأثير في كل أوجه الفنون . لكننا سنكتفي بالحديث عن الفنون التشكيلية كأنشطة إبداعية تهتم أساسا بالإدراك المبصر. لا بد أن نسلم أولا بان الفنون بصفة عامة قد تفاعلت على مر الأزمان مع ما عرفته الحضارات من تقدم علمي و تقني سواء باستعمال الأدوات التقنية المستنبطة أو باستعادة المواد و المعدات و الأشياء المصنعة. و نحن نسجل منذ بضعة سنوات اكتساح الوسائل الرقمية كل مجالات الإبداع. و رغم صمود العديد من المبدعين، فإننا نلاحظ ارتجاج الفنون التشكيلية بصفة بيّنة. و قد أتاح الانفتاح على التكنولوجيا الحديثة طفرة هائلة من الحركات الفنية رغم تباين المواقف حول الاعتماد على هذه الوسائط و رغم تعدد مستويات ردود الفعل حول هذه العلاقة.

لقد امتدت فروع الثورة التكنولوجية إلى أصعدة المعرفة واخترقت وسائلها كل القيم الإنسانية و احدث تأثيرها تحولات جذرية في شتى مجالات الحياة وأدت إلى انهيار إيديولوجيات القرن العشرين وفتحت باب الاحتمالات على غير المتوقع كما أفرزت مفاهيم حداثيّة اقتحمت دائرة إدراكنا لإيقاعات العصر و أصبحنا نتحدث عن العولمة و حضارة الصورة و ما بعد الحداثة . هذه المفردات و غيرها تنضاف إلى سياقات الأسئلة المربكة حول فنون المجتمعات المعاصرة و هي أسئلة متأتية من الوعي بما يتدفق من زخم معلوماتي و من تراكم معرفي و من متغيرات تكنولوجية.

فضاءات الحداثة صارت تتشكل عبر الوسائط الرقمية، معتمدة في ذلك تقاطع الثقافات العالمة و الثقافات الجماهيرية.

وقد تسنى ذلك بعد أن حررت الحركات الفنية المعاصرة العمل الفني من الأبعاد الجمالية التي تعاقبت على ترسيخه ضمن المفاهيم التقليدية للفن و بعد أن أسقطت الحواجز التي كانت تفصل بين الأجناس الفنية إلى حد أن توصيف الأثر بات صعبا كما أن تصنيفه يكاد يكون غير ذي جدوى باعتبار اتساع رقعة تقنيات التعبير و تمازجها و نظرا لاستعمال أدوات قد تبدو غير متجانسة و منها الحوامل التقليدية والوسائط الحديثة مثل الفيديو و الحاسوب و الجوال و الليزر وشاشات البلازما وآلة التصوير الرقمي و غيرها …

و قد اختارت هذه الحركات أن لا تستقر تعابيرها في دائرة محددة حتى لا تفقد صفتها التحديثية المنخرطة في باب اللامنتظر و التجريب و المرتهنة لتداعيات اللحظة.

إن التحولات الجوهرية التي تشهدها فنون القرن العشرين نتيجة انخراط المبدعين في دائرة المفاهيم التحديثية قد فتح مجالات الإبداع التشكيلي على كل الاحتمالات و إن ما يحدث اليوم في البيانات و في المحافل الدولية المهتمة بالفنون يبعث على المزيد من التساؤل بخصوص المناهج المعتمدة جماليا و تقنيا و حول المسارات الممكنة خصوصا إذا اعتبرنا تزايد ارتباط الفن بالوسائل التكنولوجية.

و قد ساهمت الثقافة التقنويّة المهيمنة على الفكر المعاصر في طبع أحاسيس المبدعين و في توجيه إدراكهم و في تنامي استخدامهم للوسائط التقنية حتى أن بعض الأنماط الفنية باتت مرتبطة ارتباطا وثيقا بالمسندات التكنولوجية ، يبطل وجودها بعدم توفر هذه الأدوات. ومن بين هذه الحركات الفنية نذكر الفن البصري و فن الفيديو و الفن الرقمي بجميع فروعه و غيرها…

و قد يذهب البعض إلى القول بأن ملاحقة التطوّرات التكنولوجية سيجرّ الفن التشكيلي إلى انزلا قات معرفية تتعارض مع ماهيته و قد تؤول به إلى انعطافات جذرية تحيل إلى ممارسات ما كان يتخيل المبدعون إنتاجها فتكون صادمة بالنسبة للفنانين و للنقاد و للمتلقين .فالافتتان بما توفره التقنية من إمكانات وحلول سريعة قد يوقع المبدع في فخ المنظومة التقنية فيصبح أسيرا لضوابطها ومستلزماتها و ما تحمله في طياتها من أبعاد جمالية مولدة و مغذية لها.

لكن رغم انخراط العديد من الفنانين في سياق ما تيسره التقنية فكثيرا ما نشهد مواقف مناهضة لما وقع برمجته تقنيا في سبيل المرودية النفعية و هي مواقف تتخذ أحيانا أشكالا من التلاعب بمحتوى برامجها و بطرق تنفيذها قصد تحويل وجهتها و تطويعها للفكر التشكيلي. تحيلنا هذه المواقف إلى تمشي الحركة الدادائية التي أحدثت شرخا هائلا في خطية تاريخ الفن بان قطعت مع الممارسات المنضوية في بوتقة الجمالية التقليدية و سمحت بان يكون الإبداع الفني بعيدا عن مهادنة الفكر المتسلح بالثقافة التقنية و مسائلا لشبكة المعلومات البصرية و المستندات الجمالية المتوفرة عبر الوسائل التقنية المتنوعة .

من هذا المنظور يكون الإبداع إنشاء متجددا بتجدد الأسئلة الملائمة و المنبثقة من جملة المكتسبات الجمالية و التقنية و من الظروف الخصوصية لكل حقبة زمنية. هذه الأسئلة تثوّر المفاهيم الراسخة وتوقد شعلة الفكر و تذكي الخيال و تدعم طرح الأفكار المخترقة للقيم المستقرة فتتيح للمبدع إرساء لبنات يستكشف عبرها مسالك إبداعية منفتحة على الحداثة.

إن المتأمل في مختلف الممارسات الفنية طوال القرن العشرين يتبين أن الفعل التشكيلي ينشا لحظة الشك فيما تأسس من رؤى جمالية ولحظة القسوة على ما أنجز من قبل المبدع نفسه أو من سبقه و هي ضرورة باطنية تتفعّل بفعل الوعي أوالتقنية و المادة و الصدفة و بفعل القرار المنبثق من جملة الرهانات الآنية .

إن النصوص المصاحبة للفعل الإبداعي تدل على أن هذا الفعل قد تجاوز مفهوم الممارسة التقنية والمهارة المشهود بها. فقد جاءت كتابات المبدعين إيقاعا لردهات من مراحل هامة أسست لأعمالهم فكانت بمثابة الاشراقات المنيرة لمواقفهم و المفاتيح الأساسية للتواصل مع مقترحاتهم وآنبنى حولها فيما بعد شبكات من المصطلحات و المنظومات النظرية المتضاربة نتيجة لتنوع المقاربات الفنية ولدرجة اعتمادها على التقنيات المتوفرة في ذات الفترة.

لقد بات معروفا أن شكل و مضمون كل أثر فني هو وليد البيئة التي ينتج بها و معنى ذلك أنه لا مناص من اعتبار الدور الذي تلعبه الوسائل التقنية كيف ما كانت بسيطة أو معقدة. لكن السؤال الهام يتمثل في مدى التحكم في هذه الوسائل حتى لا يقع المبدع في فخ الاحتواء وحتى لا يصطبغ العمل بصيغة تقنية تقلص أبعاده الحسية.

إن انخراط المبدع في دائرة الثقافة الحية وهي ثقافة تنبني على ما علق بالذهن من تراكم للمعلومات ومن موروث مرئي ومكتوب و على ما تم اكتسابه من مستجدات تقنية تمكّنه من التواصل مع الأخر عبر القنوات الحديثة. وهكذا يتعزّز شعوره بالانتماء إلى عصره خاصة إن لم يضع مسافة الحياد مع ما يحدث في مجالات الفنون. إن ما يتوفر اليوم من تمظهورات تشكيلية متنوعة و من أفكار و أفعال فنية قد تبدو مرتجة بحكم حداثتها و غرابتها و عدم استرسالها يفتح للمبدع إمكانات قد لا يتوقعها لان عديد المعطيات تنفلت من إرادته نظرا لأن مسارات البحث التشكيلي أضحت شائكة. فاطلاعه المستمر على ما يجد في حقول الإبداع يستدرجه إلى التكيف مع المناهج المعاصرة حسب أهوائه الفنية و ميوله الجمالية و مشحونة الثقافي و هذه المسايرة الذهنية لما تشهده الساحة العالمية من تناج فني سيخلف بالضرورة في وعي الفنان رواسب ايجابية تقتات بها مخيلته و ذائقته الفنية . إن مثل هذا التفاعل يمكنه من تأسيس طاقة هائلة بفضلها يكون إبداعه ممكنا و حيا بقطع النظر عن تداعياته و نتائجه.

لكن هذا التفاعل قد يبقى افتراضيا و قد يكون غير منتج للفعل التشكيلي إذا اعتبرنا عزلة الفنان و عدم قدرته على ملاحقة النسق المسارع لإفرازات الفنون في الغرب و قد يوقعه في متاهات المحاكاة و الذوبان فيما ذهب إليه الآخرون إذا انتبهنا إلى الظروف الموضوعية التي تنشأ فيها الأعمال الفنية و من بينها ما يلاقيه هذا الأخير من تقبل ضروري على مستويات عدة (احتضانها من طرف فضاءات العرض – ايلاؤها الأهمية الكافية من طرف المؤسسة النقدية- التعريف بها بشتى وسائل النشر من كاتالوقات و كتب و أشرطة فيديو و مقالات نقدية و غيرها … علاوة على اكتسابها القيمة المالية في السوق الفنية ).

بالإضافة إلى كل ذلك, تعددت متاحف وأروقة الفن عبر الأنترنات لترويجه على السوق العالمية. كذلك تشهد هذه السنوات الأخيرة إقبال العديد من الفنان على إحداث مواقع الواب لنشر أعمالهم و التعريف بمساراتهم و هو سعي إلى إيجاد أفاق أرحب مع المهتمين بهذا المجال.

لقد أحدث الأنترنات منذ أن سمحت حكومة الولايات المتحدة الأمريكية بالاستعمال التجاري له سنة 1991 , ارتجاجا واضحا بأشكال الفنون وطرق توزيعها و تلقيها.

أصبح الفضاء الذي يوفره الانترانت فضاء تواصليا عبر القارات بعد أن كان مفهوم الفضاء مقترنا غالبا بمادية المكان و إن كان يتعدى ذلك البعد المادي ليتصل بما يُؤسس من معاني وإدراك وتواصل بين الإنسان و الأشياء المدركة وبين المبدع و المتلقي عبر ما تفرزه الآثار الفنية من تمثلات للأشياء وعلاقات رمزية بين الأشكال و العلامات و الإيقاعات الحسية. فيكون بذلك مدركا كقيمة أو مجموع قيم جمالية تنهل من الاحاسييس و الرموز والوعي و اللاوعي .

الانترانت إذن هو فضاء رحب يفتح أبواب الحوار و تبادل التجارب الفنية و يمكن من التعرف على ما أفضت إليه رؤى الفنانين في شتّى بقاع العالم المفتوح و على ما آل إليه تطويعهم لهذه التكنولوجيات الحديثة.

لقد اتخذ العديد من المبدعين الوسائط التكنولوجية(انترانت, برمجيات, آليات الكترونية و غيرها…) كحقول افتراضية للتجربة الإبداعية و قد أثرت التمظهرات الحديثة للفنّ بما عرفته من تداخل بين مجالات الإبداع على طرق استعمال الانترانت حيث تولد مجال النات ارت Net Art منذ 1994 و قد افرز مفاهيما و نظما جديدة يتعامل بها المبدع و المتلقي بصفة مفتوحة و تفاعلية .

لقد ظهرت منذ الستينيات مع الفن البصري بوادر التخلص من المادة إلى المفاهيم ليكون استحضارها تقديريا في الفضاء الوهمي لشاشة الحاسوب. وقد اعتبر الحاسوب من جهة كنافذة مفتوحة على العالم الخارجي و كأداة رائعة من جهة أخرى لقدرته الفائقة على تكثيف و تنويع البحوث و تخزينها و مراجعتها واستنساخها بتنويعات وتلوينات لا متناهية و لتوفيره علوم خائلية و صور غرائبية تتعقد مفرداتها وتراكيبها حسب البرمجيات و تبعا لقدرة المبدع على التحكم في إمكاناتها و من ذلك التلاعب بالصور الفوتوقرافية و بالعناصر التشكيلية و الدمج بينها وتصغيرها أو تكبيرها وتمطيطها أو تكرارها في حيز زمني قصير .

فما يحققه الحاسوب يختصر مسافات طويلة من الممارسة المادية فهو ييسر نتائج آنية لتخمينات الفنان . إن إمكانات التأليف بين الصور و الأشكال و النصوص باستحضار برمجيات الفوتوفيلتر photo filtre و ألوان الكورال بنت Corel Paint و شفافيات الفوتو شوب photo Shop وما ينجر عن ذلك من استعمالات تقنية كالقص و التراكب والتشاف و غيرها … كما أن الاستنان بما توفره المعطيات الرياضية بجميع تفرعاتها…. قد يختزل الرؤى الجمالية التي عرفها القرن العشرون. كذلك اعتمد الحاسوب كامتداد للحامل المسندي فقد وقع استعمال شاشات ال سي دي L.C.D ذات التقانة العالية لعرض الصورة والصوت و الحركة مجمعة. ينتج عن ذلك منحوتات ضوئية و فضاءات غرائبية تقتطع من المشهدية المعمارية ومن الطبيعة ومن الأحداث اليومية وتمازج بينها بلغة تشكيلية تستنبط علاماتها من منضو مات الوسيط الرقمي وعادة ما تكون هذه الأعمال التقديرية منصّبة في فضاء مادي مهيء لتقبل العمل الفني المتكون من عدّة عناصر و من بينها الحامل الرقمي ( شاشة أو مجموعة شاشات ) و من أهم الفنانين الذين انتهجوا هذا النمط من التعبير نذكر ادمون كوشو Edmond CAUCHOT واني لوسياني Anni LUCIANI و جون لويس بواسيه Jaen Lowis BOISSIERو جافري شاو .Jeffrey SHAW

و قد ساعد تعدد البرمجيات الحديثة و تنوع استعمالاتها في انجاز أعمال تقديرية مكتملة أو متحولة. و غالبا ما يكون العمل مكونا من مجموعة صور تاليفية تعكس فضاء خياليا تكون مفرداته مماهية للعناصر الطبيعية ويقع تحريك الرسوم بإيقاعات مختلفة حسب رغبة المتلقي . ومن أهم الفنانين الذين اهتموا بهذا التوجه الفني نذكر ميشال قوميتز Michael GAUMITZ و كلود فور Claude FAUR و ويليام لاتام William LATHAMالذي يقول في موقع W.RESPIRO.Html  » إنني مستعد لبناء عالم أكثر واقعية من الطبيعة حيث تصبح النباتات و الحيوانات مبرمجة في خدمة عالم مثالي. « 

إن إدراج مثل هذه الإعمال في شبكة الانترانت قد دعم نظرية جمال التواصل التي دعا إليها ابرز رواد الفن الرقمي فراد فوراست Fred FOREST و هي امتداد للفن السوسيولوجي الذي تأسس منذ أواخر الستينيات على مبدأ إشراك الجمهور بتلقيه الفاعل للعمل المنصّب بطريقة تحفز المشاركة و التحاور مع ما يطرحه الفن من تساؤلات تتعلق بالمجتمع الحديث . وفي هذا الخصوص يعتبر الانترانت الفضاء المثالي لتحاور المتلقي بالعمل الفني إذ يوفر إمكانية التواصل في أمكنة مختلفة و ذات الزمن ( Upiquité ) و الفورية ( Instantanéité) و التفاعلية ( Interactivité ).

لقد مكنت تقنية التراسل E. mail من التقاء مجموعة من الفنانين لبناء عمل واحد عبر التراسل. ويكون بذلك جوهر العمل ناتجا عن ترتيب أولي لمفردات تشكيلية ثم إرسالها إلى مبدعين في بقاع مختلفة في العالم لتعود بعد تدخلات وتعديلات أو تغييرات جذرية. و تحوّل المتلقي من المشاهدة و الانبهار أو عدم تذوق العمل الفني إلى المشاركة الفاعلة باستخدامه للمقترحات المبرمجة من قبل المبدع.

و على هذا الأساس فان العمل التفاعلي يحمل في طياته إمكانات مفتوحة تتشكل حسب تدخل المتلقي ووفق ما وقعت برمجته .

إن مثل هذا التمشي يمثل ثورة على مفهوم الانجاز و الاكتمال الذي يتصف به كل اثر فني و هو ما يعني أن ذاتية الفنان أضحت منفتحة لذاتية المتلقي بفعل انفتاح العمل على شتى الاحتمالات في إطار  » اللعبة التشكيلية » المفترضة. لذلك ، فان هذا النمط الفني سيتأثر حتما بتفاعل المبحرين و سيحفز الفنان لمزيد البحث عن تعابير تتناغم مع طبيعة الوسيط وتأخذ بعين الاعتبار انفتاح العمل على جمهور عريض من المتلقين يتألف من المدركين لمسائل الفن و المبحرين العابرين و المتطلعين إلى استيعاب مقترحات الفنان دون أن يكون لهم بالضرورة زاد معرفي أو جمالي . و من هذا المنطلق يمكن القول إن نزوة الفنان و إرادته المتفردة ستتقلصان بحكم تفاعل المبحر مع العمل و إسهامه في بلورة المقترح أو تغيره و بالتالي فان مفهوم الإبداع المكتمل قد ينمحي إذا اعتبرنا الموقف التحديثي لبعض الفنانين الذين يتمثلون العمل الفني في صيغته الأساسية ثم في انفتاحه على تغير ملامحه و تمظهراته عبر التفاعل.

و لعل من دواعي هذا التوجه نحو التلقي الفاعل ذالك الهاجس الدائم لدى كل فنان وهو البحث عن إغراء المتلقي ليتواطىء في غيابه مع ما يقدمه من إنتاج فني و كي ينشأ هذا التواصل فان الفنان يتمنى أن يكون المتلقي متسلحا بآليات مفهوماتية تضاهي آلياته أو تتفهمها و متمتعا بدرجة عالية من الحس الفني و الجمالي وملمّا بتاريخ الفن حتى يرقى إلى كنه العمل ويلامس مقصديته ويولد معانيا في خفايا الأثر تكون غير قصدية أو تكون قد غابت عن المبدع و هنا يبدأ التلقي فيسهم في تحريك المستبطن و يكشف طاقته الإبداعية و يفتح باب التأويل و التعدد. و هكذا يمكن للعمل أن يكون متجددا متنوعا باختلاف المتلقين.

من هذا المنظور فان الوسائط التكنولوجية الحديثة توفر بامتياز فرض التلقي الذي ينشده كل فنان بما أنها توسع دائرة التلقي لاختراقها الحدود الجغرافية ودون اعتبار جنسية المتلقي. فأبواب التواصل عبر الأنترنات مفتوحة لكل مبحر يرغب في جولات استطلاعية آنية للتكشف عما يقترحه المبدعون المعاصرون أو للمشاركة فيما ذهب إليه هؤلاء أو لإرساء روابط و علاقات معهم إن شاطرهم نفس الهواجس الجمالية. وهذا التواصل بمثابة الانعتاق من العزلة التي قد يشعر بها الفنان وهو في نفس الوقت درجة من النشوة التي يتلذذ بها المتلقي إن كان على نفس الصعيد الفكري معه.

إن حاجة الإنسان إلى التواصل مأتاها شعوره بانفصاله عن الآخرين. يقول جورج باتاي : »كل كائن متميز عن الآخرين كلهم. ذلك أن ولادته و موته وأحداث حياته قد تكون ذات أهمية بالنسبة للآخرين, لكنه المعني بذلك مباشرة. هو وحده الذي يولد. هو وحده الذي يموت. وبين كل كائن وكائن أخر, توجد هوة, يوجد انفصال. « … لكننا نملك ذلك الحنين إلى الاتصال المفقود… » (جورج باتاي, الايروسية : إقرار الحياة حتى الموت, ترجمة محمد علي اليوسفي, مجلة الكرمل عدد 26 سنة 1987 ص178- 179)

النات ارت يوفر ذالك العالم البصري المعتمد على تمازج التقنيات وهو مهيأ للتراسل السريع بفضل السعة العالية للاتصال ADSL و بذلك يكون تحاور المتلقي مع العمل التقديري و المتمثل في جملة من الدلالات و التعابير المنبثقة عن مجالات فنية مختلفة (صور ثابتة و متحركة, علامات تشكيلية, نصوص, أصوات و غيرها) و المتآلفة في فظاء واحد و في حيز زمني غير محدد. وقد يذكرنا هذا التمشي نحو انفتاح العمل على التلقي الفاعل بطموح مجموعة الباوهاوس BAUHAUS في الشطر الأول من القرن العشرين لتقريب وجهات النظر و خلق شراكة بين المبدع و التقني و المتلقي أو المستهلك كما يذكرنا بمنحوتات كالدير CALDER وبالميكانيكل أرت MECANICAL ART و بالفن الجماهيري POP ART . فقد سعت جميع هذه الحركات الفنية إلى تنزيل العمل الفني إلى درجة التفاعل المادي عبر اللمس و التحريك والتجريب و إلى التوظيف الاستهلاكي في بعض الأحيان.

إن أعمال النات ارت هي أعمال متطورة, يعاد صياغتها و ينضاف عليها عناصر جديدة بحسب تدخل المستعمل وهي بذلك متفرعة و تتخذ أشكالا متجددة لا يمكن حصرها أو تصنيفها. و قد انتهج بعضهم النهج الدادائي باستغلال اللغة الرقمية و ما ينجر عنها من دلالات و مفاتيح لإعادة ترتيبها بطريقة لا تخضع لمنطق المعنى المتعارف حتى يوقعوا المستخدم في فخ الإرباك.

وعلى هذا النحو يكون المضمون البصري مستعصيا للتلقي المعهود إذ يستمد حضوره التقديري من مدارات معرفية و فكرية وحسية واسعة.

وبحكم المتغيرات المحدثة عليها من قبل المبرمجين لها أو المساهمين في تمظهراتها, فان عددا منها زائل أو متحول إما إلى محركات بحث أخرى أو الى تعابير مغايرة تماما لأصولها وهو أمر يحيلها على منطق »البضاعة » المستهلكة لفترات ترتهن لمدة تليقها واستخدامها.

هذه التجارب الحديثة في فن النات تندرج في إطار الانفتاح على الممكن وتعتمد بالأساس تخطي حدود الحاضر المرتبط بخطية الماضي ولاغرو أن تفرز أنماطا جديدة من التعابير لا نعرفها اليوم بحكم حداثة استعمال هذه الوسائط الرقمية. وربما ولدت هذه الأنماط إنتاجا هجينا نظرا لتداخل المنظومات التقنية والقيم الجمالية والمكتسبات المعرفية. وقد يغييب البعض من هذه العناصر لدى المبحر عبر النات و قد تتقاطع مرجعياته الثقافية مع مفاهيم المبدع فتكون هذه الأعمال إما مبهمة للبعض أو غير مقنعة للبعض الآخر. لكن المؤكد أن هذه التعابير الرقمية تبحث عن مستقر لها في دائرة الفن المستقبلي و موقعها الخصوصي يتدعّم لدى عدد متزايد من الفنانين المتسلحين بالجرأة و المخاطرة وذوي النزعة الإستباقية في مجال الإبداع.

وقد يرى البعض أن النات ارت هو صرعة العصر واندثاره سيكون أسرع من ولادته باعتباره تعبير تقديري قد نغنم بعوالمه البصرية, لكنه يفتقد إلى الأصالة نظرا لأن المعطيات الرقمية المكونة للأثر لا تضمن حقوق الإبداع إن كانت موزعة عبر الأنترنات بصفة مفتوحة, حيث يمكن لكل مستعمل اقتطاع أجزاء من العمل و إعادة صياغتها أو استنساخه دون عناء مما يبعث على التساؤل حول أصحاب الأعمال الحقيقيين.

كذلك يؤدي الفن الرقمي إلى انفصال المبدع عن المادة و قد شبهه بعضهم بالمضاجعة التقديرية حيث تغيب الأحاسيس الملمسية و تتقلص حركة الجسد و تُسطّح الأبعاد فيمر المبدع من البحث عن الإيهام بواسطة المادة إلى الوهم عبر شاشة الحاسوب و عن طريق الفأرة و لوحة الحروف و الأرقام وهي وضعية قد لا تكون ممتعة إن لم نقل خلاقة إذا قارنناها بوضعية الرسام أو النحات الملامس للمادة و المنطق لخباياها.

و بالإضافة إلى ذلك, هنالك تساؤلات عديدة تطرح حول مفهوم الفن الرقمي و منها مدى قيمته الجمالية و طبيعة و شروط إنتاجه (درجة التقنية التي تُوظف, نوعية البرمجيات…) وينجرّ حتما عن هذه التساؤلات سؤال هام, يتعلق بالمتدخلين: إن كانوا تقنيين أو مختصين في البرمجيات أو فنانين أو متلقين. فمثلما تمازج فضاء إنتاج العمل الرقمي مع فضاء عرضه و توزيعه بواسطة موزع عالمي يمكّنه من الاستقرار في فضاء تقديرك, تعدد المتدخلون في مراحل الإعداد و التعديل و التحويل و قد يقلص هذا التداول التقني من البعد الجمالي للعمل بل نتيجة لذلك فان هذا العمل قد لا يرقى إلى مستوى الأثر الفني و قد يعتبره البعض مجرد فضاء تجريبي يمكن استغلاله و التدخل عليه من قبل أي مبحر على الأنترنات.

إن فيض الأنماط الفنية المتقاطعة مع الأعمال التي يُعدها غير ذوي الاختصاص و المتوفرة بصفة آنية عبر تراكب الصفحات Hypertexte دون تمييز واستنساخها رقميا بشتى القياسات, إضافة إلى مسالك البلوق Blog و ما توفره من إمكانيات مفتوحة لشتى التعابير الذاتية المنتشرة عبر العالم في لحظات. كل ذلك قد يوقع الأثر الفني في منزلة الصور العادية وقد يفقده الأبعاد الحسية و التعبيرية التي يوفرها العمل المادي.

و في المقابل فان النات ارت قد يقرب المسافات بين المبدعين ويروج الانتاج الفني لدى الجمهور العريض في شتى بقاع العالم في نفس الوقت و بسرعة شديدة. إن مثل هذا التواصل من شأنه أن يربط علاقات – وان كانت وهمية – توحي بأن الآخر له نفس اللإهتمامات و أنه بالإمكان تبادل أوجه النظر وتقاسم الهواجس المضطرمة داخل الذات.

لكن اللإنجذاب إلى العالم التقديري بفعل الاتصال المباشر بالآخر عبر الزمان الحقيقي أو بما وضعه لدى المتلقي من مقترحات بصرية قد يجفف الذاتية من خصوصياتها و قد يصدم هذا المدمن على الإبحار بواقع الزمن و المكان إذا ابتعد عن الوسيط الرقمي. وهذه مفارقة غريبة قد تضعّف من إحساسه بالعزلة داخل محيطه الضيق.

ورغم هذه السلبيات فلا مناص من استعمال الوسائط التكنولوجية الحديثة لما توفره من تدفّق فائق للصور الثابتة و المتحركة ومن نفاذ سريع الى كل البيوت عبر الأقمار الصناعية فالمعلومة الآنية تطوق الإنسان المعاصر من كل صوب. إن ما أحدثته الأنترنات في كل المجالات هو شبيه بثورة الطباعة عند ظهورها وبات استعماله أمرا ضروريا للتواصل و الترويج. نتحدث اليوم عن الثقافة الرقمية و المجتمعات الرقمية و الأنظمة الرقمية و الطباعة الرقمية و الفجوة الرقمية و غيرها من المصطلحات الدالة على التصاق التكنولوجيا بكل أوجه الحياة.

فمن الطبيعي أن يلجأ المبدع إلى استثمار هذه الوسائل رغبة في التزامن مع نظرائه و بحثا عن تكافؤ الفرص التي قد تكون مفقودة أو قليلة على الصعيد المحلي. فقد تغيب إمكانات انتشار الأثر الفني عن طريق المعارض أو بواسطة الاستنساخ و ذلك لأسباب عديدة منها عدم توفر السوق الفنية و المجالات المختصة… لكن هذه الإمكانات تيسرها اليوم الشبكة العنكبوتية للأنترنات وبذلك يتوفر للعمل الفني أهم شرط لبقائه ولاسترسال المبدع في الإنتاج وهو الانفتاح الممكن على التلقي و إن كان ذلك عن بعد وهو تواصل سانح لفرص التعرف و التعارف وربط الصلة و التراسل والتسويق.

ومهما كانت مواقف المبدعين من الفن الرقمي فان العديد منهم قد اختاروا عن قناعة التعريف بفنهم عن طريق مواقع الواب. فالموقع عبارة عن مرآة عاكسة لعينات من أعمال الفنان وهو مجال يتضمن معلومات عن مسيرته و مقتطعات من مقالات تخص معارضه ونافذة لعنوانه الالكتروني. وهكذا يبقى الفنان صاحب شأنه, ينتج مادة فنية حسب ما يستصغيه من رؤية جمالية و يقتصر استعمال الوسائط الرقمية على الوظيفتين الإعلامية و الترويجية وهو منفصل تماما عن مرحلة الإبداع.

ومن هذا المنظور, فلا داعي أن نتخوف من أن تتوصل التكنولوجية إلى بتر البعد المادي و الحسي للأثر الفني ولا داعي أيضا أن نتخوف من التحليق عبر الأنترنات في آفاق التجارب الفنية بصفة حينية.

وإذ نتحمس اليوم لهذا الوسيط فلأنه أصبح أداة تواصلية ضرورية إن تنكرنا لها فسنحكم على أنفسنا بالانحباس في بوتقة ضيقة تفقدنا إمكانات التواصل مع ما يحدث في العالم المفتوح وتذوب ذاتنا في المحلية والتقوقع والانكماش وتؤدي إلى الانسحاب من خارطة المعرفة وتنفي الحضور على المستوى الإنساني. فالإبحار في مواقع الفنانين هو الاستكشاف وهو قبول فكرة المغامرة أي قبول ماهو مغاير لما عهدناه وهو انفتاح يموضع الفنان في دائرة الذات النسبية شريطة أن يكون هذا التكشف من منطلق التلقي الواعي.

وقد يذهب البعض إلى وصف الفنون التشكيلية المعاصرة و المنفتحة على الثقافات العالمية بالفنون المهجنة بل الفاقدة لكل هوية. لكن في المقابل ماذا ستؤول إليه الفنون المحلية إن هي انغمست في حوض موروثها الضيق مثلما تنغمس رأس النعامة في التراب؟

ألم ينهل العرب مثلا من الحضارة الفارسية و الإغريقية و اليونانية وغيرها؟ أليست لنا مخلفات عثمانية وفرنسية إلى الآن في المشهد الحضاري التونسي؟

نجادل أحيانا في ثنائية المعاصرة و الأصالة و ما شابه ذلك و قد يعتبر البعض أن تناول المسائل المتعلقة بمختلف أوجه الفنون التحديثية التي أفرزتها الوسائل التكنولوجية و أن استثمار ما تناقلته هذه الوسائط التواصلية من مستندات بصرية هو من قبيل المجازفة وهو ضرب من ضروب التمرد على الموروث التشكيلي. وعلى هذا النحو فان السعي إلى التحديث ومتابعة ما يحدث في الآفاق الرحبة والقفز إلى ما توصل إليه الآخر من إبداع ناشئ يُنظر إليه على أنه تهميش للفن و ما ينتج عنه هو من طرهات الفنون مقارنة بما يطلقون عليه صفة المتن ألا وهو الرسم المسندي المألوف والنحت المتعارف و غيرها من التقنيات المعتمدة في ماضي الفنون.

و لن نتردد هنا في التأكيد على أن الانفتاح على العالم أضحى أمرا واجبا على كل فرد وان التسلح بتقنيات العصر هو ضرورة وليس خيارا. أما حصانة ثقافتنا فلا تستدعي الانغلاق على ماضينا و إنما تتمثل في النهل بصفة تلقائية مما تزخر به فضاءتنا الرمزية و مراجعنا الفكرية والحسية من جهة و في اكتساب المعرفة المتأتية من آفاق مختلفة من جهة ثانية و هو ما أصبح يعرف بمجتمع المعرفة الذي يطرحه العالم الجديد بواسطة الشبكات المعلوماتية .

و لا نريد أن يفهم رأينا على انه توفيقي بين ما هو سائد و ما هو مستحدث. علينا فقط أن نعتبر المبدأ الطبيعي المتعلق بدوران الأرض حول محورها ودورانها حول الشمس و بالقياس فإننا مدعوون إلى تنمية قدراتنا في التعامل مع ما استحدث من برمجيات حتى نعالجها و نتفاعل مع إمكاناتها بصفة إرادية و واعية تيسر اختياراتنا وتثبت مواقفنا دون افتتان بما توفره من حلول جاهزة . و لا بد أن ننغمس في هذه المشارب التحديثية و أن نتحلى بنزعة استشرافية و إن كان ذلك عبر الاستكشاف و التحسس . ولا مفر من مواجهة حاضر الوسائل التكنولوجية و ما يترتب عنها من مناهج و رؤى مثلما لا مفر من الابتلال إذا أردنا السباحة.فلا معنى لمعاصرة الغرب إذا كانت مقتصرة على مفهوم الزمن . علينا أن نكون معاصرين معرفيا حتى لا نكون على هامش العصر.

و دورنا اليوم أن نهيئ لاندفاع شبابنا الباحث في حقل الفنون التشكيلية إلى استغلال كل ما توفر لديه من إمكانات تواصلية حديثة للولوج عبر أبواب مفتوحة لعالم اليوم وهو عالم متحول بحكم سرعة التطور التكنولوجي .

إن استعمالنا للانترانت ما زال بدائيا نسبيا و فرص التعلم لدى الجيل الجديد أوفر و أيسر لان عقل الشاب غير مثقل بمكاسب السنين. فهو يتعامل مع الوسائط الرقمية دون عوائق ثقافية. لذلك، فهو سريع التفاعل معها، متابع لتطورها المذهل، فطن لتشعبها و مغرياتها مدرك لما تحمله من قيم معرفية و ثقافية و أخلاقية. إن التمرس على هذه الوسائط و الاعتماد على الذات الواعية و الانتباه إلى حاضر الفن و التكنولوجيا قد يفجر ذلك النشاط الحيوي الباطن لدى المبدع الشاب. إن التقاليد الفنية بمفاهيم القرن الماضي لم تتجذر لدينا بما يجعلها موروثا فنيا يعسر تخطيه، و غياب « الأب » في الفنون التشكيلية التونسية قد يفتح المجال للشاب المتكون في معارف الفنون للتفاعل بلا حرج مع كل المستجدات دون أن يقع في خطيئة القطيعة أو الصدام مع الأجيال السابقة.

و إذا كان المبدع الشاب منخرطا فيما ذهب إليه الآخرون دون تقليد و لا محاكاة و إذا ساهم بما سمحت له تصوراته المستندة إلى وعيه الحي و ثقافته المنفتحة و أحاسيسه المنغرسة في جذوره الحضارية فانه سيوفر لنفسه فرص التخاطب مع الآخر بمفاتيح العصر سواء كانت تقنية أو مفهوماتية.

و مهما كان وضع الفنون التشكيلية مرتجَا فمستقبلها ضبابي بالضرورة لان المتغيرات التكنولوجية المؤثرة في مساراته متسارعة و إيقاعها على مجمل أوجه الحياة يزداد عنفا.

و إن لم نختر التعبير بوسائل العصر فلا مهرب من استعمالها كأداة تبليغيّة لما ننتهجه من مسالك جمالية و لما ننجزه من أفعال تشكيلية و لا مفر إذن من مزاوجة المادي و التقديري. تلك هي المعادلة التي يستوجب علينا الإقرار بتحقيقها إذا ابتغينا مزامنة المحدثين.

نور الدين الهاني

صدر بمجلة الحياة الثقافية، وزارة الثقافة و المحافظة على التراث، تونس، العدد 184، جوان 2007.

___________________________________________________________________________

ماذا تبقى للفنون التشكيلية

إن المتابع لتداعيات الإبداع في مجال الفنون التشكيلية يتبين تعدد الأساليب الفنية المستحدثة، وهي غالبا ما تهجر مواقعها التقليدية – مثل فضاء اللوحة – إلى فضاءات أرحب، كما يلاحظ نزعة الفنان إلى الخروج من الورشة و حرصه على التعامل مع حوامل غير مألوفة أو أمكنة غريبة و انزعاجه من فضاءات العروض المعتادة،و تأكّدت هذه النزعة مع تقلص دور السوق الفنية أو انعدامها أحيانا و أصبح الفنان يسائل كل التظاهرات الفنية .

لقد بلور مفهوم الاختراق هذه المساءلة المستمرة، إذ صار ملازما بصفة إرادية أو لا إرادية كل فنان مبدع و أصبح الفن يعرف ببعده التّحديثي والمتجاوز لما هو معهود، إلى حد أن بات ينعت بالاعتباطي و الضّبابي و اللاّمعقول و الهجين، رغم احتضان بعض المؤسسات الرسمية لتمظهراته. و من هذه المؤسسات متاحف الفن الحديث، البيناليات، المراكز الثقافية…

لقد أدى الإيقاع المتسارع للتراكم المعرفي إلى مسائل جوهرية حول حتمية التحديث في الفن لمسايرة العصر.

وباعتبار أن مفهوم التّحديث مؤصل بالضرورة بذات المبدع ومرتبط بإرادته و قدرته على طرح الأسئلة المنتجة لأفعال إبداعية، فلا عجب أن تتعاقب الحركات الفنية و لا عجب كذلك أن تنفلت الممارسة التشكيلية من الصيغ و التصنيفات المألوفة لتتنزل في مدار الرهان والمغامرة و الانفتاح على الممكن و الطموح إلى إدراج هذا الفعل ضمن مقتضيات المعاصرة.

و حتى لا يدفن المبدع المعاصر أحلامه ولا يمقت حدسه و حتى يلامس فعله الحسي الأساليب الحداثية و حتى ينتصب مسائلا بملء السؤال الشرعي العلاقة القائمة بين ما يطرحه من إشكالات و رؤى جمالية مع محيطه الثقافي المباشر أو الافتراضي و ما يحدث من مجادلة بين ذاتيته و العناصر المادية المكونة للعمل الفني فهو يعتبر كل الوسائل التقنية المتاحة مشروعة، بل ضرورية ما دامت في خدمة فنه، يطوّعها لغاياته وان اقتضت طبيعة إبداعه استخدامها بطريقة مغايرة تماما للإغراض التي أُعدت و بُرمجت من أجلها.و هنا تجدر الإشارة إلى مفهوم التحويل الذي اتّخذ نهجا إجرائيِا منذ الدّادائيين و تتالت بعدهم الحركات الفنية في صياغته بأشكال متنوعة.

لقد باتت مساءلة تاريخ الفن ضرورة حتمية لكل مبدع غاية ذلك استيعاب المفاهيم الأساسية لعملية الإبداع حتى يتجنّب الإسقاط المتولّد عن الانبهار أمام ظاهرة إبداعية أو إزاء نظرية جمالية يتلقاها بصفة سطحية. هذه المحاورة تصاغ بقيم الحاضر و متطلبات الحداثة بعيدا عن المواجهة والرفض والخنوع إلى قيم غابرة تحيّن باسم الأصالة.

إن إدراك الفنان التشكيلي لجملة الحقب المتتالية التي عرفها الفن عبر القرن العشرين خاصة تؤهله للتّموضع في دائرة الأسئلة الحارقة المنبثقة من مواقف و رؤى جمالية انبنت حول مفاهيم عديدة أحدثت نقلا نوعية في الممارسات التشكيلية.

ماذا تبقى أن نرسم أو ننحت أو نحفر ؟…و بأي الوسائل و بأي التقنيات ؟ ما هي الأشكال الحديثة للفن التشكيلي ؟كيف نتواصل بفنّنا ؟و بأي الوسائط التبليغية ؟ ماذا ينشد الفنان التشكيلي ؟

هذه بعض الأسئلة و غيرها كثيرة، تلازم وعي المبدع إلى حد القلق لكن القلق سمة لابد له أن يتسم بها لان هذا الشعور يمكنَه من الحيرة و التساؤل حول ماهية الفن لإرساء رؤى تشكيلية مستحدثة وان بدت ضبابيّة بحكم عدم استقرارها. إن البحث الدائم عن معنى الإبداع و التواصل يهزّ كيانه و يحفز أحاسيسه و يربكها كما يشكّك في مكتسباته التقنية و بالتالي يضعه في مدار التجديد.

صحيح أن المخيّلة البشرية العادية تكل من متابعة ما هو مستحدث و غريب لأن في ذلك جهد و عناء و تمحص و محاولة إدراك ما هو غير مدرك آليّا وغالبا ما ترفضه رفضا تلقائيا لما يدخله من بلبلة فكرية ومن إزعاج للذات، و لكن الفعل التشكيلي المنخرط في الحداثة لا يصاغ إلاَ ضمن الانفلات عن السائد.

لقد شهد أواخر القرن العشرين نزعة الفنان للاستقلالية عن كل الفضاءات التقليدية للعرض كما تقلص اهتمامه بالقيمة المادية للأثر وذلك باختياره إنتاج أعمال لا تتصل مباشرة بأي حركة سابقة. فتعددت التجارب و تنوعت المسارات اعتمادا على النزوة الذاتية، و الرؤية المتفردة التي لا تخضع لأي منظومة جمالية قائمة. وعلى هذا الأساس فقد تفتّتت المعايير النقدية واضطربت المقاييس الجمالية.

إن التمرد على القيم الجمالية النموذجية و عدم الامتثال للقواعد المبوبة جعل التعبير الفني فضاء مفتوحا على الاحتمالات التي قد تتحدد حسب عوامل الصدفة و الميول الذاتية بما في ذلك من مواقف معلنة أو خفية و من نزوات و من اعتبارات مصدرها تقاطع المرجعيات أو الظروف المادية لإنشاء العمل.

لقد أصبح تعريف الفن مرتبطا بما يؤسسه من قيم مستحدثة تلهم فلاسفة الجمال لابتداع مصطلحات موازية قد تضيء جوانب من الابداع و لكنها لا تفسره. و لقد حاولت الإنشائية مسايرة مراحل الإبداع الفني بخطاب منصت لمادية العمل و الظروف الموضوعية و الذاتية لمنتجه و لكنها اصطدمت بما هولا منتظم في العملية الفنية أي كل العوامل غير المحددة وغير المبرمجة التي تنحت بصفة غير عقلانية ملامح الأثر، لذلك يمكن نعت الفن بزئبقي المادة، قد يتخذ شكلا ثم ينقلب هذا الشكل إلى آخر في بضع دقائق.

إن ابتداع أشكال فنية مغايرة هو نتيجة مساءلة حية و متجددة لمفهوم الفن لازمت الحركات الفنية المتعاقبة منذ أواخر القرن العشرين و أربكت كل عمل منتهي وأحدثت قطيعة إرادية مع ما هو سائد حول مفهوم الجمال الذي لطالما التصق بمفهوم الفن منذ القرون الوسطى، فقد قام الفن الجميل على المحاكاة المباشرة للطبيعة بأساليب تقنية اختلفت من حقبة إلى أخرى و لكن بقيت غايتها التعبير عن افتتان الفنان بالطبيعة و نقلها بمهارة وحذق و إحساس متولد عن تأمل عميق لمظاهرها.

ومع ظهور الصورة الفوتوقرافية، في أواخر القرن التاسع عشر راود الفنانين و النقاد تخوف شديد من تأثير التقنية على الفن. و اعتبر بعضهم أن ما تيسره الصورة الفوتوقرافية قد يشوّه المنطلقات الجمالية للفن بل قد تنتزع الآلة إنسانية الفنان. بينما ذهب بعضهم إلى أن ما تقدمه عدسة الكاميرا يوفر على الفنان عناء التنقل بمعداته إلى المشهد و يكون بمثابة المرجع الأول يعتمده كما كان يعتمد الرسوم السريعة. نذكر هنا الرسام ديقا Degas الذي استعان بالصور الفوتوغرافية لرسم مشاهده و خاصة حركات الجياد الراكضة.

وقد مثل استعمال الصور الفوتوقرافية لدى الدادائيين منعطفا هاما فجّر المفهوم التقليدي للرسم حيث تحوّل فضاء اللوحة إلى فضاء تشكيلي تتراكب فيه الصور الفوتوقرافية و الرسم و النص الشعري…

نتج عن ذلك تفاعل مع ما يعتبر غريبا أو غرائبيا أو ما ينعت بالصدفوي و اللامتوقع وأدى كذلك إلى إعادة النظر فيما ترسخ من تقاليد و ممارسات فنية فأوقع الفنان المبدع في متاهات الأسئلة المربكة للثوابت الجمالية. شاركه في هذه المدارات الفكرية و الجمالية الشاعر و المسرحي و الناقد و هي مدارات لا تأخذ بالضرورة بمنطق العقل العملي الذي لطالما أملى سلطته على إدراك و فعل الإنسان بواسطة الوسائل التقنية التي سخرها التقدم العلمي لفائدة الحاجيات الحياتية و النفعية.

نذكر هنا موقف مارسيل ديشومب Marcel DUCHAMP و هو موقف ينم عن رفض للسائد و القطع مع كل ما تجذّر من معرفة حسية مثقلة بمخزون جمالي يستمد أصالته من العصر الإغريقي فيما يتعلق بالمنحوتات خاصة، مرورا بعصر النهضة . لقد احدث ديشومب بتقديمه لما هو جاهز Ready made ( النافورة سنة 1917 و هو عمل نموذجي يدلل على موقف مبني على الجرأة و تخطي المتعارف) و اعتباره أثرا فنيا، صدمة جمالية لا زال وقعها إلى اليوم باعتبار استرسال الفنانين في نفس النهج الذي أرساه، و يمكن اختزاله في كونه لا يتخذ أي مستقر له حتى يتجنب كل إمكانية التقنين . لذلك، نلاحظ التعاقب السريع للحركات الفنية المناهضة لبعضها البعض.

و من هذا المنطلق نشهد أعمالا تتشكل خارج دائرة المعنى النفعي و في إطار عنيد تشوبه التناقضات و اللامنطق و الصدفوي و يُترجم عبر خليط من المواد و الخامات و مزيج من التقنيات أو عبر مواقف سالبة لمادية العمل و ذلك لتأسيس الفعل الجمالي المنتهي بانتهاء تدخله .

لقد أعلن امبارتو بوشيوني Umberto BOCCIONI و هو عضو بارز في الحركة المستقبلية، تحرره من المواد المألوفة في النحت منذ بداية العشرية الثانية من القرن العشرين و أجاز استخدام مواد متعددة غريبة عن النحت. إن استعماله لمواد وخامات مبتذلة تحمل في كنهها أبعادا مغايرة لوظائفها الاستعمالية قد مكنَه من إرباك وحدة المنحوتة المتكونة من تناسق الحجم و المادة و التقنية في سبيل تمثيل المظهر الخارجي للشيء الممثل التقليدية سواء كان جسدا إنسانيا أو حيوانيا أو غير ذلك من الأجسام المتعارفة في الطبيعة.

و علاوة على تمازج التقنيات و الخامات فإننا نلاحظ عبر الفترات المختلفة للفن الغربي و على امتداد القرن العشرين تداخل المرجعيات و الأساليب و هو ما يدل على الإلمام الواسع للفنان التشكيلي لعديد الممارسات الفنية وهو ما يسمح له بتوظيف أبعادها بتناولات مختلفة حسب تفاعلاته وتبعا لتمشيه.

ففي أعمال سيمون هانتاي Simon HANTAI مثلا (رسام فرنسي من أصل مجري) تتداخل المرجعيات ، خاصة منها الممارسة التشكيلية لجاكسون بولوك Jackson POLLOKو رسم هنري ماتيس Henri MATISSEفهو يمزج بين تقنيتين، تعتمد الأولى على الرسم المباشر و السريع و الميسّر لتفاعل المادة السائلة و تعتمد الثانية على تقنية القصDécoupage التي مارسها ماتيس . إلى ذلك تنضاف مراحل أخرى من بينها طي القماشة و بسطها و إعادة القص و التركيب، و لا غرابة في أن نقف على إشارات و إحالات متباينة أحيانا لدى بعض الفنانين بعد أن انمحت الحدود الفاصلة بين تيار فني و آخر و بعد أن انفتح الفضاء التشكيلي على تعابير أخرى منذ الدادائية .

ونذكر أعمال روشنبورق RAUSCHENBERG التي تعتمد تقنية التلصيق للصور المقصوصة و مستنسخات الأعمال الفنية و خاصة منها رسوم دافنشي .De VINCI و ما يسميَه Combine painting ليس إلاَ امتداد لممارسة الدادائيين المتمثلة في استعمال الصور الفوتوقرافية كمادة تشكيلية مسايرة أو معوّضة لمادة الدهن و نذكر كذلك أعمال ريشار هاملتون Richard HAMILTON (من ابرز فناني حركة البوب أرت ) و هي جملة أجزاء مقتطعة من مجلات و صور مستنسخة يجمعها الفنان في تركيبة تؤسس فضاء تشكيليا متماسكا و مشحونا بدلالات جديدة منبثقة من العلاقات التي أوجدها بين هذه المقتطعات.

كذلك نستحضر أهمية حركة حوامل-سطوح التي ظهرت في أواخر الستينيات بجنوب فرنسا. إن ترسخها في جهوية نشأتها اكسبها بعدا وطنيا فإقليميا فعالميا وذلك لما شملته من مواقف وممارسات جريئة تقاطعت مع الهواجس الفنية لدى
الفنانين الأمريكيين. من أعلامها كلود فيالا
Claude VIALLAT و دانيال ديزوز Daniel DEZEUZE و توني قران Tony GRANE و قد نزعوا إلى تحويل وجهة الأشياء المستعملة و التافهة و أعادوا صياغتها ضمن حوامل أرادوها حوامل تشكيلية فانتصبت الأشكال و توزعت الألوان في تكرار مولد للاختلاف حسب جيل ديلوزGilles DELEUZE و ما استعمالهم لقطع من القماش القديمة أو الخشب أو أطراف من الاشباك إلا إقرار بأهمية الخامة كمادة حية تحي بيننا ولا ندرك أبعادها الجمالية و ما تعدد طرق العرض – على الجدار- على الأرض- خارج الأطر التقليدية كالرواق و المتحف – إلاَ إفصاح جديد عن الحرية التي اكتسبها الفنان إزاء الرسم المسندي و ما يفترضه من » طقوس » .

لقد أصبح الفنان مسكونا بأسئلة متعددة حول ماهيَة الفن و موقعه من حضارة عصره و باتت هذه الأسئلة تلاحقه في ممارسته و في تأملاته و غالبا ما ترتبط بعلاقة الإبداع بالتطور التكنولوجي الرهيب الذي يتعارض مع الميول الطبيعية إلى الممارسة اليدوية التي تستمد كنهها من طاقة ذاتية باطنية ، لا يستهويها التقنين و الدقة و كل ما له علاقة بالآلة. وكلما تعقدت هذه الآلة ارتجت هذه الطاقة و استبطنت خوفا من أن يتحنط الحلم عبر الوسيلة التقنية.

إنَنا نشهد إعادة النظر في جوهر الفن من فترة لأخرى كما نلحظ تباين المواقف حول طبيعة العلاقة بين الرؤ الجمالية و المستجدات التقنية من ذلك ما يصرح به اندي وارول Andy WARHOL  » أريد أن أكون امتدادا للآلة « ، قد نفهم من هذا الموقف حتمية مسايرة الفنان للتطور التكنولوجي حتى يتاح له انجاز أعماله بالأدوات التقنية لعصره، و قد يكون ذلك تعبيرا صارخا لما أفرزته الحضارة من أنماط حياتية جديدة و نماذج استهلاكية غير معهودة أثرت بالضرورة على الأذواق الفنية و دفعت الفنان إلى تفجير طاقات إبداعية د فينة كما ولدت لديه مزيدا من الجرأة لتخطي المألوف.

لقد يسرت سهولة الحصول على المعلومة البصرية انطلاقا من المستنسخات و الصور الفوتوقرافية و المجلات التفاعل مع الموروث الحضاري الواسع بطريقة متحررة من قيود الماضي بما في ذلك من المفاهيم المرتهنة لتجارب فنية حديثة العهد.

إن انخراط المبدع في الحداثة قد أجاز له إعادة صياغة المفاهيم الجمالية كما أوقعه في شرك التجريب و المساءلة و توليد المعنى عبر فرضيات بعيدة عن عالم الثوابت، هذه المنطلقات الذهنية تستمد طاقتها من تجدد الفعل التشكيلي ضمن مجال بات مفتوحا لتمازج الأنماط الفنية و لتذويب الفروق بين الأجناس و التقنيات كما أنها تورط الفنان في سياقات غير منتظرة منها التعامل بصفة إرادية و تبعا لموقف معلن مع مفاهيم إجرائية مثل الاستعادة أو الاقتبا من أعمال تنتمي لحركات فنية مصنفة في تاريخ الفن . نذكر خصوصا أعمال أرمون ARMAN المتكونة عن مفهوم التراكم و أعمال سيزار CEZAR المرتكزة على استعادة الأشياء. كذلك حركة التشخيصية الحرةFiguration libre التي استمدت مواضيعها من عوالم الصور المتحركة و رسوم الأطفال و مشهديات الحروب و الأساطير و الثقافات الشعبية ونفايات الصناعات الحديثة و الأشياء الاستهلاكية لتكون مزيجا من الصور و الألوان و الكتابات والعلامات المنتشرة في المحيط اليومي.

و الملاحظ أن تعدد مشارب التأثيرات قد وسّع آفاق الحقل الايقونوقرافي ليعكس تآليف بصرية و حسية متناغمة طورا و متنافرة أحيانا كثيرة.

كذلك شهدت هذه الحقبات تفاعلا متزايدا مع الفضاءات المعمارية إذ اعتبر الكثير من الفنانين الفضاءات المفتوحة و المعاشة مجالات لممارستهم الفنية مما استوجب تطويع رؤاهم الجمالية لخصوصيات الحيز المكاني المزمع التدخل عليه.

نذكر فن التنصيبة أو فن تشكيل أو تأثيث الفضاء و هو بمثابة الامتداد لحركة الدادائية، يجمع بين التعابير ذات البعدين بمختلف التقنيات و التعابير ذات الثلاثة أبعاد و قد تكون غير متجانسة فنيا كالرسم و النحت و تراكم الأشياء و أجهزة بث الفيديو وغيرها, كل ذلك يؤسس رغم انفصال العناصر المساهمة فضاء تتعدد فيه العلاقات حسب تفاعل المتلقي المتجول حول / أو في التنصيب .

لقد تميز الفن التشكيلي في الشطر الثاني من القرن العشرين بارتباط بعض أنماطه بالآلة حتى أن عدم توفرها قد يبطل وجود هذه الأنماط من ذلك الفن المفاهيمي و فن الأرض و فن الموقع و فن الفيديو و البارفورمونس….

ففي فن الأرض، تعتمد الصورة الفوتوقرافية كشاهد على الأثر الفني الزائل بطبيعة نمطه فهو عمل مؤقت لا يتجاوز معناه زمن فعله في الطبيعة .و لتثبيت الصورة، يستوجب استعمال معدات ضخمة مثل الطائرة و الرافعة…

وهكذا يحل الوسيط التقني محل الأدوات المعتادة و تحل الصورة محل الأثر المادي و لولا و جود هذا الوسيط لما وقع التفكير أصلا في مثل هذه الممارسات الفنية و هو ما يسمح لنا بالقول بان مسايرة المستجدات التقنية تؤثر بصفة مباشرة و قد تكون جذرية في بلورة الرؤى الجمالية و الوجودية. و من أشهر الفنانين الذين مارسوا فن الأرض نذكر سمثسون SMITHSON و هايزر HEIZER اللذين حولا أطنانا من الحجارة و الطين لانجاز آثارهم بواسطة الجارفة و الناقلات الضخمة.

و يتبين لنا أن فن الأرض هو بمثابة عودة الفنان إلى الطبيعة للانخراط في أزليتها و هو موقف ينم عن حاجته إلى اللجوء إليها و لو لفترة قصيرة. لكن هذا الانخراط يقوم على نقيض بينَ . من جهة, فهو يسعى إلى الإنصات إلى ردهاتها، مسائلا الخرسانة و المعادن حول ما آلت إليه الطبيعة و من جهة أخرى فهو يحط في المشهد الطبيعي بثقل ارثه التكنولوجي ليوقع فيه تغييرات واضحة ثم ينسلخ منه بعد أن يثبت ما أوقعه على حوامل فوتوغرافية.

و منذ السبعينات، تبلور فن الفيديو في الولايات الأمريكية المتحدة.و قد ذهب بعض الفنانين التشكيلين إلى بحوث تجريبية تتعلق بالتلاعب بالصور المتراكبة و رسم أشكال هندسية تتخذ سريعا تمظهرات الأحجام في الفضاء الوهمي. و كان اعتمادهم شبه كلي على المختصين في الإعلامية و الرياضيات لترويض المعطيات التقنية لعوالمهم المتسمة بنزعة فضولية يسرت لهم اختراق المضامين المعهودة التي توفرها الوسائل الحديثة و ذلك باستعمالها بطرق مغايرة لما أعدت من اجله . ومن هذا المنظور فان فن الفيديو أصبح فنا قائما بذاته حيث تتمازج فيه التقنية ( صورة و صوت ) و الشحنة التعبيرية التي تتخذ شتى التمظهرات و تنهل من شتى الأنماط التشكيلية المتعارفة و غيرها من المجالات الإبداعية كالصورة الفوتوقرافية و السينما و الموسيقى و المسرح و الرقص.

و على هذا الأساس فان فن الفيديو هو فن معقد بما انه جامع بين تقنيات تبليغية مختلفة و مفتوحة لكل الاحتمالات التكنولوجية و الجمالية و تعابير متداخلة و متحررة من كل الحدود و المقاييس المألوفة في كل مجال إبداعي كالبعد السردي في السينما و ما يتطلبه من قدرات فنية في مستوى الصورة و تركيب اللقطات بصفة موهمة باسترسال المشاهد حسب خط حكائي معين. و تبعا لهذا التشابك بين الرؤى الجمالية و الاعتبارات التقنية، فان فن الفيديو قد يحيل إلى المرجعيات الفنية و لكنه لا يحاكيها و هو غالبا ما يتأسس على نقيضها أو يسايرها بمنظار مغاير معتمدا في ذلك بعض المفردات السينمائية المتحررة من المنظومة المتماسكة و المكونة للفيلم و مستعملا المفاهيم التشكيلية و منها التراكب و التمازج و الشفافية و ارتجاج المنظور…

نشير إلى مجموعة فلوكسوس FLUXUS ومن بينها الأمريكي نام جون باك Nam June PAIK والألماني وولف فوستل Wolf WOSTEL وقد اعتمد أفراد هذه المجموعة الفيديو كحامل أساسي لتعابيرهم منذ أواخر الستينيات سواء لتسجيل البارفورمونس والهابنينق أو لاستعمالها في تنصيبات تشمل عددا كبيرا من الشاشات لبث صور وأصوات مختلفة بإيقاعات مغايرة أو متواترة أو مماثلة.

و ننتهي اليوم إلى ما يعرف بما بعد الحداثة وهو تعبير عن أزمة الحداثة التي عرفها الشطر الثاني من القرن العشرين. وعن هذه الأزمة نتج انفتاح كامل على كل الاحتمالات والمقترحات في غياب الريادة الفكرية و الطليعة الفنية. فنحن نلاحظ تفتت المجموعات الفنية وانطواء المبدعين على ذواتهم وانكبابهم على فرادة تجاربهم باعتبار أن كل مسار أصبح جائزا ولا وجود لتنظير معين يقتفون أبعاده و زاد الزخم الإعلامي وتضارب المراجع وتعدد الرؤى الجمالية من درجة الضبابية التي تتسم بها بعض المنظومات الفكرية المتولدة عن إيقاع العصر الحديث. وقد أفرز هذا الوضع الجديد الإحساس بالحرية الذاتية و السعي إلى إثبات الإرادة الفردية وحتمية الاعتماد على الذوق الشخصي وهو شعور لا إرادي ينمو بصفة دفاعية كلما ازداد وعي المبدع بالحرية التي يكتسبها وهميا نتيجة ما يحصل من متغيرات و تحولات في المجتمعات المعاصرة.

إن انفتاح عين الفنان على العالم المتحرك و إطلالته على ما يستجد في الحقل الفني يمكََََنَ من تطعيم التجربة الذاتية و يجنَبها التقوقع في مدارات التوهم بتملك « الحقائق » الجمالية. علاوة على ذلك فهو يحيله على المجال الاصطلاحي المتسع بحسب تعدد التجارب الفنية. بيد أن الميل الطبيعي إلى الانكفاء إلى الممارسات المعهودة قد يوفر شيئا من الراحة النفسية باعتبار أن السؤال مضجر، يرتجف له كل من زادت رغبته في الطمأنينة إزاء ما استقرت عليه مكتسباته الفنية و لكن غالبا ما ينمّى هذا الانكماش على المكتسبات المتجمدة بفعل التكرار الكسل الذهني و يقلص المبادرة ليكتفي باجترار ما وقع إنشاؤه في الماضي تبعا لمنظومة فكرية لم تعد قادرة على محاورة العصر بمفاتيح الحداثة و بلغة تعي قوانين الزمن الراهن.

ونعني بالحداثة الوعي بقيمة الحاضر كفضاء زمني ممكَنَ من تأسيس مشاريع تتحدد ملامحها بدءا بالظروف المادية ومن بينها ظرف الزمان و ظرف المكان.

إن المتأمل في المشهد التشكيلي التونسي بتعدد مشاربه يلاحظ في كثير من الأحيان إعادة صياغة بعض الأجزاء من الفسيفساء التشكيلية التي عرفتها أوربا خاصة عبر القرن العشرين.إن الأخذ ببعض التجارب دون غيرها قد يكون مرده اعتبار الفن التشكيلي قائما على الفرجة و اللذة البصرية و البعد الجمالي المستساغ من قبل المتلقي إلى حد أن هذا البعد قد فسَر لدى البعض بمكانة الصورة التشخيصية و الهرمنة اللونية و المهارة التقنية و تبعا لذلك فقد اختزل هذا الفن غالبا في تقنيات الرسم أساسا.

لقد اتسم الفن التشكيلي التونسي بملاحقة الرسم المسندي المتصل بتتابع الحركات الفنية الغربية من الحركة الانطباعية إلى الرسم التجريدي بأنماطه الهندسية و الغنائية. و هكذا يغلب على الأعمال مسحة معهودة تستمد أصولها من الذائقة الفنية الشائعة و المعتمدة على جمالية اللوحة المؤطرة و المثبتة على جدار الرواق.

فبالرغم من اختلاف المعالجات الفنية و بالرغم من تعدد المشاغل الفنية يمكن اعتبار الرسم التونسي منذ بداياته إلى أواخر الستينيات امتدادا للتقنيات و المضامين التي جاء بها الرسامون الأوروبيون ثم هو بحث عن تأسيس ما يعبر عنه بالهوية التونسية من خلال مواضيع تصويرية تنهل من المشاهد المعمارية و ما يتصل بالتعابير الفلكلورية و الأنشطة الحرفية التقليدية.

و منذ السبعينيات شعر المثقفون و من بينهم الرسامون بمدى الجروح الثقافية التي ولدها الاستعمار الفرنسي و سعى اغلبهم إلى اندمالها بدراسة و بتفحص مواطن الموروث الحضاري للاستلهام من تراثه و لاستعادة علاماته الخطية و دلالاته الحسية. و قد نادى البعض بضرورة الاعتماد على هذه الخصوصيات الثقافية و النهل من فيضها حتى يتسلح المبدع بموروثة البصري المتواجد في فنون العمارة العربية الإسلامية و يتحصَن بزاده الحسي المخزن في الذاكرة بصفة شعورية أو لا شعورية. فيكون هذا التأصل بمثابة الدرع الواقي من الإستيلاب و الاغتراب. و قد رفعت لذلك شعارات الأصالة و المعاصرة و الأنا و الآخر و الثابت و المتحول و التراث و الحداثة و غيرها من ثنائيات و أزواج متضادة و غالبها يعود إلى مفهوم التوازن البنيوي للكون المعتمد في فلسفة الجمال لدى هيراقليطس و قد ترسخ الاعتقاد لدى عديد الفنانين بان الاستلهام من التراث هو السبيل الأمثل إلى المعاصرة. فكان تحويل الخط العربي إلى الحروفية و كانت هجرة العلامات المفككة من الحوامل التقليدية إلى الفضاءات التشكيلية بعد التنبه إلى ما تعج به فضاءاتنا الرمزية من أبعاد جمالية و أساليب تقنية .نذكرمن بينها الزخرفة والرقش والجص والوشم والنسيج والخزف و غيرها من الحرف الفنية المستخدمة في فنون العمارة.

و لا عجب أن يهتم المفكرون و المختصون في الفلسفة و فروعها مثل الجمالية لتداعيات هذه التجارب التشكيلية المستنهضة للتراث من جهة و المنخرطة من جهة أخرى في منظومة الحداثة بما تتطلبه من مقومات جمالية و مقاييس مادية. إن محاولة التأصل في مساءلة الماضي و السعي إلى الانغماس في الحاضر قد مثل عبئا على الفنان و أوقعه في متاهات الأسئلة المشوشة للفكر بما تجره من تناقضات حول الوعي بالذات و بالمكتسبات الذهنية و التقنية.

وأدت بعض الممارسات التشكيلية إلى الانعكاف على الذات بدعوى الخصوصية الثقافية و خشية من الانحلال أو الذوبان في قيم الآخر . لكن مقابل هذا التقوقع فيما ولى, نشير إلى بعض المواقف الجريئة من طرف بعض المبدعين الذين حاولوا التخلص من الموروث المثقل بتقاليد و عادات أسسها السابقون و ذلك باستنطاق الحاضر واستحضار الوسائل التقنية و المصطلحات الحديثة لتوسيع الدائرة المعرفية لتجاربهم.

و خلاصة القول أن فترتي السبعينيات و الثمانينيات قد أغرقت المفكرين و المبدعين في مدارات الثنائيات التي أسهمت إسهاما واسعا في تغذية المفاهيم التحديثية في العالم العربي كما أدخلت العديد من المنظرين لجمالية الفن في جدل عقيم حول المؤالفة بين هذه الثنائيات أو فك ارتباطها الافتراضي أو ردمها.

و إذا كانت مثل هذه الأسئلة الشائكة ترعب بعض الفنانين المتحصنين وراء التراث و المفاخرين بالهوية الثقافية كما تخيف المنشدّين بثبات بدائرة الحركات الفنية التي تأصلت في الغرب, فان ينابيع الأسئلة المثيرة لمعاني المعاصرة و الحداثة لم تجف عند البعض الآخر نظرا لاطلاعهم على مشاغل الفنانين في العالم الغربي أو لامتهانهم التدريس و البحث الأكاديمي.

إن تواجدنا في نظام عالمي لا متكافئ لا يبرّر جنوح البعض إلى عدم الانخراط في دائرة المعرفة الحديثة بدعوى أن هذه الدائرة التقنوية مشحونة بثقل الامبريالية الثقافية.لقد بات حتميا أن يتسلح الفنان بالزاد المعرفي و التقني الذي داهمنا و صار لزاما علينا أن نتحصَن من أخطاره بالانفتاح و التطلع إلى مستجداته و الاستفادة من روافده.

لكن يعتبر البعض أن الوسائل الحديثة للإنتاج الثقافي قد تحدث شرخا في البنية الثقافية التقليدية و قد تخلف لدى الفرد مزيدا من الانفصام في شخصيته و يذهب هؤلاء إلى أن الوعي المتنامي بالإمكانات التقنية الفائقة و المتأتية من الغرب بصيغتها الاستهلاكية الجاهزة قد تغذي عنده الشعور بالتبعية المستديمة مادام مستهلكا يلهث وراء المستجدات التكنولوجية .

إن الشعور بعدم الانتماء إلى الفضاءات التحديثية المتولدة عن استعمال القدرات التكنولوجية و الإحساس بعدم القدرة على الإمساك بقوانين المنظومات التقنية قد يتقلص إذا انخرط المبدع بصفته مبدعا له موقف و فعل إبداعي يناهض به المبدعين المنتمين إلى الثقافات الغربية المصنعة لهذه الأدوات.

فمن المفترض أن يحجم المبدع عن اجترار ما اكتسبه من إمكانيات تقنية متصلة بأنماط جمالية تندرج في إطار حقبات من تاريخ الفن و أن يقطع مع ما ساد من رواسب انبنت على النظرة الفولكلورية أو على مرجعيات تعتمد تمثيل الأشياء أو تتوق إلى الاختزال أو التجريد…. و لعل البعض منا يحتاج إلى وقفة تأمل حتى لا تتكلس الممارسة التشكيلية و حتى لا يقع في الإعادة السالبة. عدد غير قليل من أعمال نفس الفنان تراها متشابهة و متناسقة أو هي تقليد لأعمال تتصل بما أنتج سابقا من لدن رواد بعض الحركات.

لعل مردَ التوجه نحو ما ثبتت قيمته الجمالية و النقدية تفسر بالكسل الإبداعي أولا و عدم الجرأة على المخاطرة و الاطمئنان إلى ما قد يسهل تلقيه من قبل المهتم بهذه الفنون. قد يفسَر كذلك بعدم توفر السوق الفنية المألوفة الكفيلة باستيعاب الإنتاج الفني و غياب المتاحف المعاصرة المختصة بالفنون التشكيلية و قلة الأروقة وضعف النقد الفني المتخصص. بالإضافة إلى كل ذلك فقد نجد مبررا آخر ناتجا عما سبق و هو انه يصعب أن يرسم أو ينحت الفنان ما يريد في محيط استقر فيه التذوق الفني حول مسلمات من بينها أن الفن ملتصق بالضرورة بالتشخيص دون سواه و قد أدى هذا الموقف المسبق حول ماهية الفن إلى البون المتسع من سنة لأخرى بين المبدع و المتلقي المرتقب و نتيجة ذلك خلو فضاءات العرض من الزائرين و إعراض المقتنين و المجمعين للآثار الفنية- وان كان عددهم قليلا جدا- على اقتناء ما يبعد عن المعهود .

لقد أثرت الفجوة القائمة بين المبدع و المتلقي على استمرارية البعض عن الإنتاج إلى حد أن كثيرا من الفنانين أصبحوا « يبرمجون » ممارستهم تبعا لبعض المناسبات السنوية مثل المعرض السنوي لاتحاد الفنانين التشكيلين التونسيين أو حسب دعوة للمشاركة بعمل أو عملين في معرض جماعي بأحد الأروقة الخاصة و في عديد الحالات ترتهن المشاركة في العرض لفرصة المردود المالي فغالبا ما يقع التعامل مع القيمة الجمالية للأثر من منظور القيمة المالية, لذلك فان لجنة الشراءات التابعة لوزارة الثقافة و المحافظة على التراث تتعامل مع الأثر الفني باعتباره منتوجا حددت قيمته مثلما حددت مقاييسه و تقنياته و خاماته و صنف على غرار ما تصنف أي بضاعة تخزن و تحفظ.

و نخشى اليوم أن ينزع المبدع نحو الكآبة المتأتية من الشعور المتنامي باللامبالاة من طرف المتلقي إن كان ناظرا أو ناقدا أو مجمّعا للأعمال. فقد يؤدي به هذا الإحساس إلى الانطواء على الذات فتتكبل طاقته الإبداعية إن أراد القطع مع ما ترسخ من رؤى فنية أو يسترسل في الرسم المسندي التقليدي بكل أنماطه المتعارفة إن اختار الجلوس على الأوهام المبنية على انتظار السوق الفنية.

في اعتقادنا انه لا بد من إزاحة ما قد يتبلط في الذهن من قناعات أو أشباهها حول المفاهيم المتعلقة بالخصوصية الثقافية و الأصالة و غيرها للاشتغال حول مصطلحات و مفاهيم تحديثية تندرج ضمن إطار أرحب من الدائرة الضيقة و المحصنة بثوابت فنية اخترقتها الإبداعات المعاصرة. كذلك، علينا أن نعيد النظر في خطابنا الجمالي وفي علاقتنا مع ارثنا الفني و أن نتأمل التغيرات السريعة لعالم المعرفة المفتوح على كل الاحتمالات الجمالية و المفجر للعديد من الثوابت و القيم الثقافية المحلية و الإقليمية.

و منطلقنا ليس من باب مسايرة العصر و إنما نتيجة لقراءة أفقية لتاريخ الفن طوال القرن العشرين و هي تطلعنا من جهة على التصاق الفن بالوسائل التقنية المتاحة و على قدرة الفنان من جهة أخرى على اختراق الرؤى الجمالية عبر مفاهيم تحديثية تتلاءم مع هواجسه الفنية و انطلاقا من أفعال تشكيلية تثوّر التقنيات المكتسبة و تأسس لقيم جمالية متجددة و منصهرة في ما هو حديث بواسطة لغة تشكيلية متفاعلة مع تقنيات و متطلبات العصر.

قد يصفق البعض منا و بعد تسعين سنة خلت للدادائية و لما تضمنته من مواقف متخطية للحركات الفنية التي سبقتها لكننا قد لا نعي ثقل الفعل، فعل القطيعة و ما يخلفه من ردود أفعال و خيبة أمل و عنف لفظي و إقصاء لمن تجرأ أن يصدح برؤى لا يستقيم ضمن قواعد اللغة التشكيلية المثبتة .

نستعيد مواقف البعض من الفنانين أمثال بيكابيا PICABIA و دوشمب DUCHAMPS و مان راي MAN RAY الذين أربكوا القناعات السائدة بخصوص مقومات الرسم المسندي الوصفي و النحت التمثيلي و أسسوا لمفاهيم تخوّل للفن أن يستعيد جوهره بانتصابه كحقيقة لذاتها. لقد فتحت هذه المواقف مجالات واسعة للتجارب الفنية واتخذت أشكالا غريبة و طريفة و دافعة لمسالك غير مسبوقة إلى واقع تشكيلي عنيد.

و ليست غايتنا هنا التنويه بأي حركة فنية أو لأي منظور تحديثي بقدر ما هي دعوة إلى طرح السؤال بلغة صريحة حول السبيل إلى فتح باب الحداثة حتى ننخرط في حركة ما يتفعّل حولنا دون اجترار ما أنتجه الآخر أو ملاحقة ما توصل إليه. وهذا الطرح لا يعني بالضرورة الدخول في جدل عقيم حول مفهومي الأصالة و المعاصرة أو حول غيرهما من الثنائيات التي قد تولّد توترا سلبيا لدى المبدع و قد توقعه في الإحساس بالافتراق والغربة إزاء ما مضى و ما يحدث.

لقد بات بديهيا أن العمل الإبداعي لا يولد دون وعي بالترسَبات المرجعية سواء كانت ثقافية أو تشكيلية و ستبقى ذاكرة المبدع متوهّجة يستقوى بشجونها لمواجهة ما يستجد من قيم. و لا خوف عليه من التهرّم إن تعلقت همته بما يطلق عليه المسعدي  » المغامرة الوجودية للانسان » في علاقتها بالزمن.

نور الدين الهاني

2007

13 commentaires leave one →
  1. 18 janvier 2008 11:24

    اكتشفت ذلك بالصدفة
    >>مبادرة جيدة ونحتاج الاستفادة منها
    عمر الغدامسي

  2. 19 janvier 2008 5:00

    شكرا لاهتمامك بما انتجه حاليا

  3. 2 avril 2008 11:02

    مدوّنة هامّة و ثريّة قراءتها ممتعة و الاستفادة منها مضمونة…أتمنى أن نشاهد مدوّنات أخرى لبقيّة فنّانينا.

    مع فائق احتلراماتي

    عدنان أحمد

  4. 5 Mai 2008 7:08

    شكرا عدنان على ما تفضلت به

  5. 6 Mai 2008 9:43

    أستاذي الفاضل سعيا منّي الى تدعيم الحركة التّشكيليّة في بلادنا قمت بانجاز هذه البوّابة التّشكيليّة حتّي تكون اطارا اعلاميّا تواصليّا بين مختلف المهتمّين بميداننا التّشكيلي الذّي نسعى بأن ينخرط في مجتمع المستقبل » مجتمع تكنولوجيّات المعلومات و الاتّصال. »

  6. 6 Mai 2008 10:10

    اني ممتن بمبادرتك الطيبة و ارجو لك التوفيق

  7. chahrazed sbiaa fekih permalink
    8 mars 2009 5:37

    استاذي العزيز
    لقد سعدت واستفدت كثيرا بقراءة هذا المقال مع العلم اني اعمل حاليا على اتمام بحث للحصول على شهادة الدكتوراء « الفن المعاصر, بين سيطرة الفكرة واقصاء الجسد »
    فشكرا وننتظر منك المزيد انشاء الله

  8. 17 janvier 2010 11:43

    مقالتك الدسمة الهمتني فهي اروع ما قرأت من مقالات تنقذ الفن التشكيلي من الانحطاط القادم عن قريب خاصتاً نحن العرب الفنانة العراقية مينا العزي

  9. حنان الزينى أستاذ مساعد بكلية التربية الفنية القاهرة / مصر permalink
    12 Mai 2011 1:45

    الأستاذ الفاضل / نور الدين الهادى
    مقال سيادتكم من أكثر ما كتب باللغة العربية عن تحليل الفن المعاصر و أتمنى من سيادتك مراسلتى بالمزيد من مقالاتكم او التنويه عن امكن تحميل لها من النت مع خالص الشكر و العرفان
    د. حنان الزينى

  10. dr noha fakhry permalink
    30 janvier 2012 1:31

    أستاذنا الفاضل نور مجهود رائع ومفيد من سيادتك وللأمام دائما وفى انتظار مقالات اخرى
    د مصمم داخلى واثاث / نها فخرى عبد السلام

  11. 30 janvier 2012 1:34

    أستاذنا الفاضل نور مجهود رائع ومفيد من سيادتك وللأمام دائما وفى انتظار مقالات اخرى
    د مصمم داخلى واثاث / نها فخرى عبد السلام

  12. tkitek abdessalem permalink
    9 février 2012 12:21

    قراءة تحليلية ممنهجة تبين العلاقة بين الفعل التشكيلي والوسائط الحديثة …..استمتعت بما قرأت واستفدت. شكرا

  13. 4 juillet 2020 11:57

    Site national de Langue et Culture arabes Directrice de la publication : Mme Sophie Tardy, IGEN – Responsable editoriale : Mme Frederique Foda, IA-IPR Webmestre : M. Mohammad Bakri, Enseignant

Laisser un commentaire